المضحك المبكي أن العناوين التي كنا نقرأها في الصحف منذ عقود عن المشاعات، ومشاكل قانون الإيجارات، والحدود المفتوحة، وأزمات النظام العقاري والنظام السياسي… لا تزال هي نفسها، بلا أي تقدم يُذكر. نفس الصراعات، نفس المخاوف، ونفس النزاعات، وكأن التاريخ يعيد نفسه على الورق، بينما الأرض الواقعية للأهالي تتعرض للتهديد المستمر.
أعاد التعميم الصادر عن وزير المالية ياسين جابر بتاريخ 25 شباط 2026 (من دون نشر رقمه رسميًا في البيان المتداول) فتح ملف المشاعات في جبل لبنان على مستوى وطني حساس. التعميم الذي يفرض قيد العقارات غير الممسوحة والمشاعات أولًا باسم الدولة قبل أي نقل لاحق، ويمنع المخاتير من إصدار إفادات “علم وخبر” لهذه العقارات، ويحصر التحقق من وضع اليد بالقاضي العقاري، يُقدَّم كخطوة تنظيمية لضبط المخالفات. غير أن أثره يتجاوز الإطار الإداري إلى عمق البنية التاريخية للملكية في الجبل.
بحسب المؤرخ والباحث الدكتور عصام خليفة، المشاعات ثلاثة أنواع واضحة: مشاع للأهالي، مشاع للبلديات، ومشاع للدولة. هذا التصنيف ليس مجرد فرق رقمي، بل يعكس نظامًا تاريخيًا دقيقًا يضمن استمرارية القرى ويؤمن احتياجاتها اليومية. منه يُحتطب، فيه تُسرَّح المواشي، وعليه قامت دورة حياة اقتصادية واجتماعية متكاملة. فلسفة المشاع لم تكن يومًا مجرد تنظيم عقاري، بل نظام حماية اجتماعية سابق لقيام الدولة الحديثة.
من هنا ينبع القلق. تسجيل المشاعات باسم الدولة، ولو تحت عنوان التنظيم الموقت، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام خطوة إدارية تقنية، أم أمام إعادة تعريف لملكية الأرض الجَماعية؟
التجربة في الجنوب تُستحضر كمثال تحذيري. عندما دخلت السياسة على خط المشاعات هناك، جرى توزيعها ضمن توازنات حزبية، وترسخت وقائع نفوذ طويلة الأمد. الأرض، حين تُدرج في لعبة القوة، تتحول إلى أداة سيطرة. والذي يُحرّف الجغرافيا يُحرّف التاريخ.
في هذا السياق، كتب الدكتور فارس سعيد عبر منصة “X”
“حذرت من مذكرة الوزير علي حسن خليل بتاريخ 31-12-2015. صدر اليوم تعميم من قبل الوزير ياسين جابر يستكمل مذكرة علي حسن خليل. مشاعات جبل لبنان التي هي ملك أهالي قرى جبل لبنان أصبحت باسم الجمهورية اللبنانية والقوى السياسية تبحث الانتخابات. تغيير ملكيّة المحفظة العقارية ينسف معنى لبنان”.
هذا الموقف يضع التعميم في سياق سياسي متصل بقرار سابق عام 2015، ويعتبر أن نقل الملكية إلى اسم الجمهورية اللبنانية يبدّل في جوهر “المحفظة العقارية” لجبل لبنان.
وفي التداول السياسي والإعلامي، يُقال إن هناك مراجعات وضغوطًا قد تؤدي إلى تراجع الوزير الحالي عن قراره، مع ورود حديث عن تحركات لجهات سياسية وروحية من بينها الرابطة المارونية. إلا أن أي تراجع محتمل لم يُؤكَّد رسمياً حتى اللحظة.
مشاع تنورين يشكّل نموذجًا دالًا: مساحة تقارب ثلث قضاء البترون، ورئة إنمائية للمنطقة. هذه الأراضي يمكن أن تحتضن مشاريع زراعية وبيئية وسياحية تضمن بقاء أهلها فيها. نقلها إلى ملكية مركزية من دون ضمانات واضحة لمشاركة المجتمع المحلي في قرارها التنموي يُفهم كتغيير في ميزان القوة على الأرض.
قانونيًا، لا يمكن لقرار إداري أن يغيّر طبيعة ملكية جماعية تاريخية من دون سند تشريعي واضح. وإذا صدر مرسوم يكرّس هذا التحول، فإن الطعن أمام مجلس شورى الدولة يصبح خيارًا مشروعًا، ويمكن لعشرة نواب المبادرة بمراجعة الإبطال إذا ثبت تجاوز حدّ السلطة أو المساس بحقوق مكتسبة.
لكن أبعد من القانون، نحن أمام لحظة سياسية دقيقة. القوى السياسية تبحث في الانتخابات المقبلة، والملفات الحسّاسة تتحول في مثل هذه المواسم إلى أدوات تعبئة وشعبوية. الخطر أن تتحول المشاعات إلى مادة في بازار انتخابي: تُستخدم لإثارة المخاوف أو تسجيل المواقف، فيما جوهر القضية هو حماية نظام ملكية جماعية متجذر في التاريخ اللبناني.
المشاعات ليست فائضًا عقاريًا لسد عجز مالي، ولا ورقة ضغط ظرفية. هي احتياطي القرى، وذاكرة الأرض، وأحد أعمدة التوازن اللبناني. أي تغيير في ملكيتها من دون إجماع وطني وضمانات دستورية صلبة لن يكون مجرد تنظيم إداري، بل خطوة تمسّ هوية الكيان نفسه.
في لحظة تتزاحم فيها الشعارات، يبقى السؤال الجوهري: هل نريد دولة تنظم وتحمي، أم دولة تعيد تعريف ملكية الناس باسم التنظيم؟
المشاعات ليست أرقامًا على ورق، ولا أدوات مالية لتغطية عجز الدولة. هي احتياطي القرى، وذاكرة الأرض، ورافعة استقرار المجتمع المحلي. ومن يغيّر ملكيتها من دون ضمانات واضحة ومشاركة الأهالي، لا يغيّر قانونًا فقط، بل يغيّر توازن الجغرافيا، التاريخ، وهويّة لبنان نفسها.
مع اقتراب موسم الانتخابات، يصبح الحفاظ على هذه المساحات اختبارًا حقيقيًا لمقاومة الشعبوية والضغط السياسي على الأرض، لأنه عندما تُستخدم الأرض ورقة انتخابية، يفقد المجتمع المحلي حقه في تقرير مصيره، وتضيع هوية المكان التي صاغتها أجيال بأرواحها وعملها.
بولا أبي حنا
نداء الوطن

