القائمة

إشكاليات تعتلي الاستحقاق: من الدائرة 16 إلى سطوة السلاح

تعود الإشكاليات نفسها لتعتلي المشهد الانتخابي في لبنان: ترهيبٌ ممنهج، تضييقٌ أمني، وتكريسُ أحاديةٍ داخل البيئة الشيعية تجعل أي حديث عن تعددية أقرب إلى ترفٍ نظري. مرشّحو المعارضة الشيعة لا يُواجهون خصومًا سياسيين، بل منظومة ضغط. كل زيارة إلى بلدة في الجنوب تتحوّل إلى اختبار أمني. كل نشاط يحتاج إلى “إذنٍ غير مكتوب”. هكذا تُدار المعركة: ليس بالصوت، بل بالخوف.

أي أكثرية نيابية يمكن أن تولد في ظل هذا الواقع؟ أكثرية عددية قد تتشكّل، نعم. لكن التمثيل حين يُختزل بطائفةٍ محكومة تحت السلاح، يفقد جوهره. عمليًا، تُجبِرك أحادية الشيعة على اسمٍ واحد في رئاسة المجلس: نبيه بري. يصبح الاستحقاق محسومًا سلفًا، لا بفعل الاقتراع، بل بفعل الاصطفاف القسري.

أما “الميثاقية” في مجلس الوزراء، فتكفي ساعة تعطيل حين تدعو الحاجة. تُستخدم كأداة ضغط لا كضمانة شراكة. الدولة تُدار بمنطق الفيتو المقنّع، لا بمنطق المؤسسات. وفي ظل السلاح، تبقى الطائفة ممسوكة، لا لأن خياراتها واحدة، بل لأن كلفة الاختلاف باهظة.

قانونيًا، المشهد لا يقل التباسًا. رأي هيئة الاستشارات والتشريع واضح في أحقية المغتربين بالاقتراع للنواب الـ128. ومع ذلك، تبقى الدائرة 16 معلّقة، مستفهَمَة، خارج المعالجة. باب الترشيح مفتوح في كل الدوائر باستثناء دائرةٍ صُنعت عقدتها سياسيًا. المسؤولية هنا مباشرة: رئيس المجلس لا يدعو إلى جلسة تشريعية لحل الإشكالية، فيبقى الخلل قائمًا، وكأن الوقت يعمل لمصلحة الأمر الواقع.

في المقابل، يخرج موقف واضح من داخل كتلة الحزب. حسن فضل الله يؤكد الإصرار على إجراء الانتخابات في موعدها. لماذا هذا الاستعجال؟ القراءة أبعد من الداخل. الخشية من تراجع حزب الله مرتبطة بتراجع إيران ونفوذها. كل تبدّل في ميزان الإقليم ينعكس مباشرة على القدرة على الإمساك بالبيئة الشيعية. لذلك، المطلوب انتخابات الآن، قبل أن تتبدّل المعادلات.

لكن أي انتخابات؟ تلك التي تُشبه انتخابات الدول الشمولية: صناديق موجودة، اقتراع قائم، نتائج معروفة. ديمقراطية الشكل، لا المضمون.
الديكتاتورية في زمننا لم تعد دبابة في الشارع. صارت تفريغًا بطيئًا لمحتوى المؤسسات. البرلمان موجود، لكن قراره مُقيَّد. الحكومة قائمة، لكن ميثاقيتها انتقائية. الانتخابات تُجرى، لكن التعددية مُرهَقة.

في النهاية، المسألة ليست تقنية، ولا إجرائية. هي سؤال دولة: هل يمكن إنتاج حياة سياسية فعلية في ظل سلاح خارج الشرعية؟ هل يمكن لطائفة أن تتنفس سياسيًا وهي محاطة بسقف أمني يمنع الاختلاف؟
طالما السلاح هو المرجعية العليا، سيبقى الصندوق تفصيلاً. وطالما الخوف يسبق الاقتراع، ستبقى النتيجة انعكاسًا للهيمنة، لا تعبيرًا عن الإرادة.

-نعيم القصيفي

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *