تدرس الإدارة الأميركية خيار مصادرة ناقلات نفط يُشتبه في نقلها الخام الإيراني، ضمن مساعٍ متصاعدة للضغط على طهران ودفعها إلى تقديم تنازلات في المفاوضات النووية، غير أن هذا الخيار يواجه اعتراضات داخلية واسعة، بسبب المخاوف من رد إيراني مباشر، وانعكاساته المحتملة على سوق الطاقة العالمي، وفق ما نقلته صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين أميركيين.
وبحسب الصحيفة، ناقش مسؤولون في إدارة الرئيس دونالد ترامب خلال الأسابيع الماضية إمكانية توسيع سياسة مصادرة السفن، لتشمل ناقلات مرتبطة بتصدير النفط الإيراني، إلا أن القرار لم يُتخذ بعد، بسبب تقديرات تشير إلى أن طهران سترد “شبه حتمياً” على أي خطوة من هذا النوع.
نموذج فنزويلا
وأشارت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة نفذت، خلال الشهرين الماضيين، حملة بحرية ضد ناقلات مرتبطة بتصدير النفط الفنزويلي الخاضع للعقوبات، وصادرت عدداً من السفن ضمن ما يُعرف بـ”أسطول الظل”، الذي ينقل النفط من دول خاضعة للعقوبات إلى الصين ودول أخرى.
وتسعى واشنطن إلى تكرار هذا النموذج مع إيران، عبر منع السفن المعاقبة من تحميل النفط من الموانئ الإيرانية، في خطوة من شأنها خنق المصدر الرئيسي لإيرادات طهران.
غير أن مسؤولين أميركيين حذروا، بحسب “وول ستريت جورنال”، من أن “ما يصلح في فنزويلا قد لا يصلح في الخليج”، بسبب حساسية الممرات البحرية، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية.
في هذا السياق، نقلت الصحيفة عن الرئيس ترامب قوله، في حديث لموقع “أكسيوس”، إنه قد يرسل حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة في حال فشل المفاوضات مع إيران. ويأتي ذلك في وقت تبحث فيه الإدارة الأميركية عدة خيارات لإجبار طهران على القبول باتفاق نووي جديد يقيّد برنامجها النووي
لكن، وفق مسؤولين، فإن خيار اعتراض الناقلات يظل من “أكثر الخيارات تعقيداً وخطورة”، مقارنة بوسائل الضغط الأخرى.
عقدة التصعيد المحتمل
وحذرت “وول ستريت جورنال” من أن أي تصعيد أميركي ضد ناقلات النفط الإيرانية قد يدفع طهران إلى الرد عبر مصادرة سفن تابعة لحلفاء واشنطن، أو زرع ألغام في مضيق هرمز، وهو الممر الذي يعبر منه نحو 25% من إمدادات النفط العالمية.
وأكد مسؤولون أن أي اضطراب في المضيق سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، ما قد يخلق أزمة سياسية داخلية للإدارة الأميركية.
وبحسب التقرير، فرضت وزارة الخزانة الأميركية هذا العام عقوبات على أكثر من 20 سفينة تنقل النفط الإيراني، ما يجعلها أهدافاً قانونية محتملة للمصادرة.
كما أعلنت الوزارة، الأسبوع الماضي، فرض عقوبات جديدة على 14 سفينة مسجلة في دول بينها باربادوس والكاميرون وبنما، إضافة إلى شركات شحن في عدة دول، بتهمة نقل النفط الإيراني بشكل غير قانوني.
وتهدف هذه العقوبات، وفق الصحيفة، إلى تقليص تدفقات الإيرادات إلى النظام الإيراني، وتوفير أساس قانوني لأي عمليات مصادرة مستقبلية.
تحديات التنفيذ الميداني
أوضح مسؤولون أميركيون أن تنفيذ أي عملية مصادرة سيتطلب نشر فرق تفتيش خاصة، ومرافقة عسكرية للناقلة المصادرة، وتأمين موقع لتخزين النفط الإيراني. وهو ما يعني استنزافاً إضافياً للقدرات البحرية الأميركية في المنطقة.
ويتزامن هذا التصعيد مع أزمة داخلية متفاقمة في إيران، حيث شهدت البلاد، الشهر الماضي، حملة قمع عنيفة ضد احتجاجات اندلعت بسبب انهيار العملة وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
وبحسب الصحيفة، كان ترامب قد تعهد بدعم المحتجين، وأمر بتعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، بالتوازي مع فتح قنوات تفاوض مع طهران. ورغم إبداء إيران استعداداً لمناقشة ملفها النووي، فإنها ترفض ووقف تخصيب اليورانيوم، ومناقشة برنامجها الصاروخي، أو تقليص دعمها للفصائل الإقليمية.
موقف البيت الأبيض
وقال مسؤول في البيت الأبيض للصحيفة عند سؤاله عن احتمال اعتراض ناقلات مرتبطة بإيران، إن ترامب “يفضّل المسار الدبلوماسي”، لكنه يحتفظ بـ”عدة خيارات” في حال انهيار المفاوضات
وأضاف التقرير أن ضربات عسكرية مباشرة ضد إيران قد تضر بالنظام، لكنها قد لا تسقطه، في حين أن استهداف صادرات النفط قد يعمّق عزلته الاقتصادية.
وأشارت “وول ستريت جورنال” إلى أن شبكة ناقلات “أسطول الظل” تضم نحو ألف سفينة، تنقل النفط من إيران وروسيا ودول أخرى خاضعة للعقوبات، مستخدمة أساليب تمويه، مثل تغيير الأعلام أو التسجيل في دول وهمية.
وفي حال كانت السفن مسجلة في دول تتبرأ منها، يمكن إخضاعها للولاية القضائية الأميركية في المياه الدولية.
القدرات العسكرية الأميركية في المنطقة
وذكرت الصحيفة أن حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”، التي تبحر قبالة سواحل عُمان، قد تتحول إلى قاعدة لعمليات التفتيش. كما يمكن استخدام خمس مدمرات صاروخية في المنطقة لمراقبة حركة الناقلات، وتملك الولايات المتحدة أيضاً وجوداً لخفر السواحل في البحرين، الذي يتمتع بصلاحيات قانونية لتنفيذ العقوبات.
وذكّرت الصحيفة بأن إيران سبق أن هاجمت أو استولت على سفن تجارية خلال “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي، عندما تعرّضت مئات السفن للاستهداف
. كما نقلت عن محللين قولهم إن إغلاق المضيق سيؤدي حتماً إلى ردّ عسكري أميركي، لكن إعادة فتحه في حال تلغيمه قد تستغرق وقتًا طويلًا.
وأفاد التقرير بأن طائرة مسيّرة وزورقين تابعين للحرس الثوري الإيراني اقتربوا، الأسبوع الماضي، من ناقلة تحمل العلم الأميركي، قبل أن تتدخل القوات الأميركية لمرافقتها إلى البحرين، بحسب قيادة سينتكوم. كما حذرت وزارة النقل الأميركية السفن التجارية من مخاطر الاحتجاز أو التفتيش في مضيق هرمز وخليج عُمان.
المقارنة مع فنزويلا
وفي الحالة الفنزويلية، تكتفي واشنطن بمصادرة السفن المعاقبة أو التي تستخدم أساليب خداع، دون فرض حصار كامل. وقد أدى ذلك إلى تراجع صادرات فنزويلا إلى النصف في كانون الثاني/يناير، وفق شركة “كلبر”. ولم تُنفذ، حتى الآن، أي عمليات مصادرة في الممرات المزدحمة قرب إيران.
وأكدت “وول ستريت جورنال” أن الصين تظل المستورد الأكبر للنفط الإيراني، عبر شبكة واسعة من ناقلات الظل، تنقل الخام إلى مصافٍ مستقلة بخصومات تصل إلى 10 دولارات للبرميل.
وأشارت إلى أن الاعتماد الصيني على النفط الإيراني ازداد، بعد تراجع الإمدادات المخفّضة من فنزويلا.
-المدن

