أُخذ على قائد الجيش اللبناني، خلال زيارته إلى واشنطن، جوابه على سؤال تصنيف حزب الله، وكأن الرجل خرج عن موقعه أو قدّم موقفًا شخصيًا ملتبسًا. والحقيقة أبسط وأعمق في آن: قائد الجيش لم يكن ناطقًا باسم قناعاته، بل ممثلًا للدولة اللبنانية كما هي، لا كما نتمناها.
الدولة اللبنانية، بدستورها وبيانات حكوماتها المتعاقبة، لا تصنّف حزب الله كمنظمة إرهابية. هذه حقيقة سياسية وقانونية، سواء أعجبتنا أم لا. ومن هنا، فإن أي مسؤول رسمي، وخصوصًا قائد المؤسسة العسكرية، ملزم بهذا الإطار. لا يملك ترف الانفعال، ولا حق الارتجال، ولا صلاحية القفز فوق موقف حكومي لم يصدر بعد.
لكن، كان يمكن للجواب أن يكون أكثر حنكة وأن يُقال بوضوح: “أنا مسؤول عسكري أمثّل جميع اللبنانيين. حزب الله جزء من النسيج اللبناني، لكننا في الوقت نفسه نعتبر أن وجود السلاح خارج الدولة حالة شاذة يجب أن تنتهي، وأن قرار الحرب والسلم والسلاح يجب أن يكون حصرًا بيد الدولة”.
هذا الجواب لا يناقض بيان الحكومة، ولا يغازل أحدًا، ولا يساوم على السيادة. بل يضع الأمور في نصابها: فصلٌ بين المواطنة والسلاح، وبين الانتماء والدولة.
ما يجب التوقف عنده، هو محاولة تحويل موقف قائد الجيش إلى مادة مزايدة أو اتهام. هذا ظلم سياسي فاضح. قائد الجيش هو الشخص نفسه الذي يقود عملية حصر السلاح في لبنان، وهو من يطالب بالغطاء السياسي لتنفيذها، وهو من يعرف، أكثر من غيره، حساسية هذا الملف وخطورته. لا أحد يزايد على قائد الجيش في ملف السلاح، ولا أحد يعلّمه معنى الدولة.
لكن الأهم من الجدل، هو الرسالة التي يجب أن تُفهم من هذا الموقف. هذا الخطاب، إذا أُحسن شرحه، يجب أن يكون ضمانة لا استفزازًا. ضمانة لبيئة حزب الله قبل غيرها. فالجيش اللبناني، حين يقول إنه يمثّل جميع اللبنانيين، فهو يقول للشيعة كما للمسيحيين، للسنة كما للدروز: أنا جيشكم، لا أهاجم مواطنًا، ولا أستهدف طائفة، ولا أعمل بالثأر.
ومن هنا، فإن الطريق الوحيد لإنهاء السلاح خارج الدولة يمرّ عبر الثقة بالجيش، لا عبر شيطنته. لذلك بعد الذي حصل في واشنطن مع قائد الجيش، يجب تسليم السلاح للمؤسسة الوطنية الجامعة، لا عبر التخويف منها. فالجيش ليس خصمًا لأحد، بل هو الضمانة الأخيرة للجميع، بمن فيهم جمهور حزب الله نفسه.
-نعيم القصيفي

