في ذكرى اغتيال لقمان سليم، لا يليق الصمت، ولا تنفع المواربة، ولا يجوز الاختباء خلف لغة مموهة بالخوف. هذه ذكرى رجل قُتل لأنه قال ما لا يُقال في دولة خُطفت، ولأنه سمّى الأشياء بأسمائها في زمن صار فيه الاسم جريمة.
لم يكن لقمان سليم “ناشطًا” بالمعنى العابر للكلمة، بل كان مشروع مواجهة فكرية وأخلاقية مع منظومة السلاح والهيمنة. لم يحمل بندقية، ولم يطلب حماية، ولم يساوم. اختار أخطر الأسلحة في لبنان: الكلمة، الذاكرة، والسؤال. ولهذا تحديدًا كان مستهدفًا.
اغتيال لقمان لم يكن حدثًا أمنيًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة طويلة من الاغتيالات السياسية التي طالت كل من تجرأ على كسر قدسية السلاح غير الشرعي، وكل من رفض أن يُختصر الوطن بحزب، والدولة بميليشيا، والتاريخ برواية واحدة.
حزب الله هو المتهم الأول في اغتيال لقمان سليم، ليس لأننا نبحث عن خصم سياسي نعلّق عليه التهمة، بل لأن الوقائع والسياق والسجل الأسود يقولون ذلك. لقمان تلقّى تهديدات علنية، وحُوصر إعلاميًا، وشُوّهت سمعته، ورُسمت حوله دوائر التخوين. ثم قُتل. هكذا تُغتال الأصوات في لبنان الخاضع لمنطق القوة لا لمنطق العدالة.
المفارقة القاتلة أن القاتل ما زال طليقًا، وأن التحقيق ما زال معلقًا، وأن الدولة ما زالت عاجزة، لأن من يمتلك السلاح يمتلك الفيتو على الحقيقة، ويقرر من يُحاسَب ومن يُدفن ملفه.
في ذكرى لقمان سليم، لا نحيي الذاكرة فقط، بل نُدين الصمت. نُدين كل من يعرف ويسكت، وكل من يراوغ باسم “الاستقرار”، وكل من يقايض العدالة بتوازنات زائفة. نُدين دولة سمحت باغتيال مواطنها، ثم عجزت حتى عن تسميته جريمة سياسية.
كان لقمان يعرف ثمن موقفه، ومع ذلك لم يتراجع. قال بوضوح إن سلاح حزب الله هو أصل الخراب، وإن الهيمنة لا تبني وطنًا، وإن الطائفة لا تُحمى بالقتل. لهذا اغتيل. ولهذا سيبقى.
لقمان سليم لم يمت. الذي يموت هو الخوف كلما ذُكر اسمه. والذي يُغتال فعليًا هو مشروع الدولة طالما بقي القاتل فوق المساءلة. أما نحن، فإما أن نكون شهود زور، أو شهود حق. وفي هذه الذكرى، اخترنا أن نكون حيث كان لقمان: في صف الحقيقة، مهما كان الثمن.
-نعيم القصيفي

