تشهد الساحة السياسية، وتحديداً داخل “البيت الشيعي”، غلياناً غير مسبوق ينذر بتحولات جذرية في خارطة القوى المحلية. ففي الوقت الذي يواجه فيه لبنان تحديات مصيرية، تشير المعطيات المسربة من كواليس “حارة حريك” و”عين التينة” إلى أن التناغم التاريخي بين حزب الله وحركة أمل بات على المحك، وسط اتهامات صريحة لجناح الصقور في الحزب بممارسة “بلطجة سياسية” حتى ضد الحلفاء.
تفيد المعلومات التي حصل عليها “صوت بيروت إنترناشونال” بأن، وفيق صفا، الذي تشير تقارير إلى كفّ يده جزئياً داخل الأطر التنظيمية للحزب، لم يتقاعد من “هوايته المفضلة” في ممارسة الضغوط الميدانية والسياسية. صفا، الذي ارتبط اسمه سابقاً بتهديد القاضي طارق بيطار، يبدو أنه وجه بوصلته هذه المرة نحو رئيس مجلس النواب نبيه بري.
وتشير المصادر إلى أن الخلاف الذي اندلع بين الحزب والحركة قبل أسبوع لم يكن سحابة صيف عابرة، بل هو تعبير عن أزمة ثقة عميقة. ويرى مراقبون أن “بيئة الحزب” المحتقنة تبحث عن “تنفيسة” لهذا الضغط، حيث يجد صفا في افتعال الإشكالات الداخلية وسيلة لصرف الأنظار عن الأزمات الكبرى التي تعصف بالهيكل القيادي للحزب بعد غياب أمينه العام.
وفق المعلومات، لم يقتصر الصراع على الغرف المغلقة، بل انتقل إلى صفحات الجرائد، وتؤكد المعلومات أن “غلمان” صفا في صحيفة “الأخبار” تلقوا أوامر مباشرة بشن هجوم ممنهج على من يوصف بـ”الأخ الأكبر”، تمثلت هذه الحملة في فبركة أخبار وتقارير تهدف إلى تحريض الشارع الشيعي ضد بري وتصويره كخارج عن “الإجماع المقاوم”، وإظهار بري وكأنه يغرد وحيداً خارج ما تبقى من “سرب الثنائي”، وهي محاولة لإضعاف شرعية بري التفاوضية أمام المجتمع الدولي.
وقد سارع مكتب بري إلى نفي هذه الأخبار جملة وتفصيلاً، معتبراً إياها محاولات بائسة لشق الصف، إلا أن الرسالة وصلت: صفا يريد “تلقين بري درساً”، وهي العبارة التي رددها صفا علناً أمام مقربين منه.
مصادر شيعية تؤكد عبر موقعنا، أن الجرح ليس وليد اللحظة، فالتراكمات تعود لسنوات من صمت بري “تجرع خلالها السم” حفاظاً على وحدة الطائفة، لكن نقطة التحول الكبرى كانت مقتل حسن نصر الله، فبعد هذا الفراغ القيادي، شعر حزب الله أن بري يحاول “الهيمنة” على القرار الشيعي والتفرد برسم مستقبل الطائفة من دون العودة لقيادة الحزب المربكة حالياً.
من جهته، تقول المصادر، إن بري يعتبر أن اللحظة الراهنة تتطلب واقعية سياسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، من خلال إعادة الإعمار ومعالجة معضلة السلاح عبر مخرج دبلوماسي يحفظ “ماء وجه” الجميع، لكن هذا التوجه اصطدم بجدار الحزب، المرتبط بقرار طهران الذي لا يزال يرفض تقديم أي تنازلات في ملف السلاح، مما جعل بري في مواجهة مباشرة مع “الحرس القديم” داخل الحزب.
وتحذر التقارير الميدانية من أن المناكفات اليومية بين مناصري الطرفين في القرى والأحياء لم تعد مجرد “تلاسن”، الشارع الشيعي يغلي، والتنسيق الأمني الذي كان يضبط الإيقاع سابقاً تراجع لصالح لغة التحريض، والخشية الحقيقية تكمن في أن يتحول هذا التوتر المكتوم إلى انفجار داخل البيئة الواحدة، في وقت لا يحتمل فيه لبنان أي هزة أمنية إضافية.
في الختام، يبدو أن حزب الله يعاني من فقدان “المايسترو” الذي كان يضبط التوازنات مع عين التينة، وبين “دبلوماسية الضرورة” التي ينتهجها بري و”بلطجة المواجهة” التي يقودها صفا، يجد الشارع الشيعي نفسه أمام مفترق طرق تاريخي، “فهل ينجح بري في سحب فتيل الانفجار، أم أن أجنحة الحزب المتطرفة ستجر الطائفة والبلاد إلى صدام داخلي مرير”؟

