ليست المشكلة في موعد الانتخابات النيابية المقبلة، ولا في قانونها فقط. المشكلة الأعمق، والأكثر خطورة، هي أنّ لبنان لا يأخذ بعين الاعتبار مدى خطورة خوض استحقاق ديمقراطي فيما أحد أطرافه يحتفظ بسلاح يعلو على الدولة ويُمسك بميزان القوة خارج أي محاسبة.
الانتخابات، في جوهرها، ليست صندوق اقتراع فقط، بل مناخ حرّ، ومساواة بين المتنافسين، وضمانة بأنّ الخاسر يسلّم قبل الرابح. هذه الشروط تسقط تلقائيًا عندما يكون فريق سياسي مسلّحًا، قادرًا متى شاء على فرض وقائع بالقوة، أو التلويح بها، أو استخدامها كرسالة ردع صامتة لكل من يفكّر بالخروج عن الخط المرسوم.
سلاح حزب الله لا يؤثّر فقط على نتائج الانتخابات، بل على معناها. فهو يحوّل العملية الديمقراطية إلى إجراء شكلي، لأنّ أي أكثرية نيابية لا تنسجم مع إرادته تبقى عاجزة عن الحكم، وأي أقلية تابعة له تملك قدرة التعطيل والانقلاب. وهنا تكمن الخطورة: الناخب يُستدرج إلى صناديق الاقتراع، لكن القرار النهائي لا يمرّ حصرًا عبر الصندوق.
الأخطر أنّ وجود السلاح قبل الانتخابات يخلق عدم تكافؤ بنيوي بين المرشحين. فكيف يمكن لمرشّح أن يخاطب ناخبيه بحرية كاملة في بيئة يعرف فيها الجميع أنّ السقف السياسي مرسوم بالقوة؟ وكيف يمكن للناخب أن يعبّر عن اعتراضه بطمأنينة، وهو يعلم أنّ السياسة في لبنان لا تُقاس فقط بعدد الأصوات، بل أيضًا بقدرة الفرض؟
من هنا، يصبح حصر السلاح قبل الانتخابات ليس مطلبًا سياديًا فحسب، بل شرطًا ديمقراطيًا أساسيًا. فالدولة التي تعجز عن ضبط السلاح قبل الاستحقاق، تعترف ضمنيًا بأنّها غير قادرة على حماية نتائج هذا الاستحقاق بعده. وأي مجلس نيابي يُنتخب تحت ظل السلاح، سيبقى مجلسًا منقوص السيادة، مهما تغيّرت الأرقام داخله.
لا يمكن فصل الانتخابات عن السؤال الجوهري: من يملك القرار في لبنان؟ فإذا كان الجواب ليس الدولة وحدها، فإنّ كل حديث عن تداول سلطة أو محاسبة أو إصلاح يبقى وهمًا سياسيًا. فالسلاح غير الشرعي لا ينتظر نتائج الانتخابات ليقرّر، بل يتعامل معها كأحد التفاصيل القابلة للتجاوز.
لذلك، المعركة الحقيقية ليست بين لوائح وبرامج، بل بين منطق الدولة ومنطق الدويلة. إما انتخابات تسبقها خطوة واضحة وجدية نحو حصر السلاح بيد الشرعية، وإما استحقاق يُستخدم لتجميل واقع مختلّ، وتكريس سلطة الأمر الواقع بغطاء ديمقراطي.
في السياسة، لا حياد بين صندوق الاقتراع وفوهة البندقية. أحدهما يُلغي الآخر. وفي لبنان، لم يعد مقبولًا الذهاب إلى انتخابات نيابية فيما السؤال السيادي الأكبر ما زال معلّقًا:
هل الدولة هي من تحمي الانتخابات أم السلاح هو من يحدّد سقفها؟
-نعيم القصيفي

