رنى سعرتي
نداء الوطن
ما هي انعكاسات الأحداث الدائرة في إيران على لبنان وعلى أسواق النفط العالميّة، وعلى الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟
يشهد الاقتصاد الإيراني منذ أواخر العام 2025 موجة اضطرابات داخلية متصاعدة تعكس تراكم اختلالات اقتصادية واجتماعية وهيكلية، في ظلّ بيئة سياسية وأمنية شديدة التماسك. ووفق تقرير معهد التمويل الدولي الذي أعدّه د. غربيس إيراديان كبير الاقتصاديين في المعهد، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا لا يتمثل في انهيار النظام، بل في مرحلة طويلة من اللااستقرار المُدار، حيث تستمرّ الضغوطات الشعبية دون أن تتحوّل إلى تغيير جذريّ في بنية الحكم.
جذور الاضطراب الاقتصادي
تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن الاحتجاجات الحالية هي نتيجة مباشرة لتدهور المؤشرات الاقتصادية الأساسية، لا سيّما:
– ارتفاع معدّلات التضخم، خصوصًا في أسعار الغذاء.
– تراجع حادّ في سعر صرف الريال الإيراني.
– خفض الدعم أو تعديل أسعار السلع الأساسية.
– ضعف النموّ وارتفاع البطالة بين الشباب.
يضاف إلى ذلك وجود نظام سعر صرف مزدوج يفقد فعاليّته كأداة للاستقرار، حيث تؤدّي الفجوة المتزايدة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية إلى تسريع التضخم وتقويض الثقة في السياسات الاقتصادية. وعلى الرغم من أن العجز المالي الإيراني ليس مرتفعًا مقارنة بالمعايير العالمية، فإن القيود التمويلية الناتجة عن العقوبات وضعف القطاع المصرفي دفعت الحكومة إلى الاعتماد على التمويل النقدي، ما فاقم الضغوط التضخمية.
بنية السلطة وخيارات السياسة الخارجية
يوضح التقرير أن مركز الثقل في النظام الإيراني انتقل بشكل متزايد إلى الحرس الثوري الإيراني، الذي بات يهيمن على القرار الأمني، والعسكري، والاقتصادي. وفي هذا السياق، يُتوقع أن تعتمد القيادة الإيرانية مقاربة مزدوجة تقوم على:
– احتواء أمني داخلي صارم يمنع تشكّل حركة احتجاج موحّدة.
– مرونة تكتيكية خارجية تهدف إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية دون تقديم تنازلات استراتيجية جوهرية.
هذا التوجّه قد يترجم بمحاولات تفاوض محدودة حول الملف النووي أو خفض مستوى التوتر الإقليمي، بهدف الحصول على متنفس اقتصادي موقت، مع الحفاظ على بنية النظام القائمة.
الانعكاسات على لبنان
يشكّل لبنان إحدى الساحات الأكثر تأثرًا بالتطوّرات الإيرانية، نظرًا للعلاقة البنيوية بين إيران و “حزب اللّه”. وفي حال اضطرّت طهران إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية، يبرز عدد من التداعيات المحتملة:
– تقليص الدعم الخارجي: من المرجّح أن يؤدّي الضغط المالي على إيران إلى خفض تدريجيّ في الدعم المالي والعسكري واللوجستي المقدّم لـ “حزب اللّه”. هذا لا يعني إنهاء العلاقة، بل الحدّ من قدرة “الحزب” على توسيع نفوذه أو الانخراط في مواجهات عالية الكلفة.
– إعادة توازن نسبيّ داخل لبنان: قد يفتح تراجع الدعم الإيراني هامشًا محدودًا أمام تعزيز دور مؤسسات الدولة اللبنانية، زيادة الانخراط العربي والغربي في دعم الاستقرار، وتخفيف حدّة التوترات الأمنية المرتبطة بالصراع الإقليمي. غير أن هذا المسار يبقى هشًا، نظرًا لقدرة الفاعلين المحليين على تعطيل الإصلاح السياسي والاقتصادي حتى في ظلّ تراجع الموارد.
التأثير على أسواق النفط
يؤكّد التقرير أن تأثير الاضطرابات الإيرانية على أسواق النفط في عام 2026 سيكون في معظمه نفسيًا وجيوسياسيًا، وليس ناتجًا عن فقدان فعليّ للإمدادات. ويُعدّ مضيق هرمز العامل الحاسم في تشكيل علاوة المخاطر.
ويرجّح السيناريو الأساسي المتوقع حصوله بنسبة 60 %، استمرار اللااستقرار دون تصعيد عسكريّ وبقاء الإمدادات العالمية بنسبة كافية على أن يبلغ متوسط سعر خام برنت بين 60 و 70 دولارًا للبرميل.
أما سيناريو المخاطر المتوسطة المرجح حصوله بنسبة 25 %، فهو يتوقع حصول اضطرابات طويلة الأمد وتشدّد إضافي في العقوبات يليه ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية وبلوغ أسعار النفط بين 70 و 80 دولارًا مع تقلبات موقتة. في حين يتوقع سيناريو احتمال حدوث قطيعة وانقسام سياسي أو صدمة إقليمية بنسبة 15 %، أن يؤدي ذلك إلى انقسام داخل النخبة الحاكمة أو تصعيد إقليمي واسع، بالإضافة إلى مخاوف جدّية على أمن الملاحة، لتتجاوز أسعار النفط وفقًا لهذا السيناريو، 80 إلى 90 دولارًا لفترات محدودة.
التداعيات الإقليمية
في حال تبنت إيران نهجًا براغماتيًا يركّز على بقاء النظام، فمن المرجح:
– انخفاض مستوى الصراعات بالوكالة.
– تحسّن نسبي في البيئة الأمنية لدول الخليج.
– توسيع هامش الدبلوماسية الاقتصادية الإقليمية.
إلّا أن التقرير يشدّد على أن التنافس الإقليمي سيستمرّ، وإن بوتيرة أقلّ تصادمية وأكثر حساسية للكلفة الاقتصادية والسياسية. وبالتالي، تشير المعطيات إلى أن عام 2026 سيشهد استمرارية النظام الإيراني تحت ضغط اقتصادي داخلي مزمن. هذا الواقع يحمل انعكاسات مباشرة على لبنان من حيث تراجع الدعم الخارجي واحتمالات إعادة التوازن السياسي، كما يفرض على أسواق النفط تسعير علاوة مخاطر محدودة ما لم يقع تصعيد كبير.
وعليه، فإن صانعي السياسات في لبنان والمنطقة مطالبون بالتعامل مع هذا الواقع بوصفه مرحلة طويلة من عدم اليقين المُدار، لا أزمة عابرة ولا تحوّلًا جذريًا وشيكًا.

