لم تكن إطلالة رئيس الحكومة نواف سلام في برنامج “صار الوقت” أمس مجرّد حضور إعلامي، بل بدت أقرب إلى جلسة مساءلة سياسية خرج منها ثابتًا، متماسكًا، ومطمئنًا. في زمن يعلو فيه الصخب على المضمون، قدّم سلام نموذجًا مختلفًا: صلابة بلا انفعال، ورصانة بلا تردّد، وهيبة لا تحتاج إلى رفع الصوت لتفرض نفسها.
منذ الدقائق الأولى، بدا الرجل متحكمًا بإيقاع الحوار. لم يُستدرج إلى السجالات، ولم يتورّط في الردود الغريزية، بل حافظ على خط مستقيم في مقاربته، واضعًا الوقائع فوق الشعارات، والمسؤولية فوق الشعبوية. كان واضحًا أنّه لا يتحدث من موقع الدفاع، بل من موقع من يعرف حجم الملفات التي يديرها، ويُدرك تعقيد المرحلة التي تمرّ بها البلاد.
ما ميّز الحلقة لم يكن فقط أسلوب نواف سلام، بل مستوى تمكّنه من تفاصيل عمل حكومته. من السياسة إلى الاقتصاد، ومن الإدارة إلى الأولويات الإصلاحية، بدا ملمًّا بالملفات، مدركًا لهوامش الحركة وحدود القرار، من دون أن يتذرّع بها أو يتهرّب خلفها. قدّم إجابات محسوبة، واضحة، لا تحتمل التأويل، ما عكس صورة رئيس حكومة يملك رؤية أكثر مما يملك أعذارًا.
هيبة الموقع حضرت من دون استعراض، والجدّية طغت من دون تصلّب. لم يَعِد بما لا يستطيع تنفيذه، ولم يختبئ خلف العموميات، بل اختار لغة دقيقة، هادئة، لكنها حازمة. وهذا بحدّ ذاته رسالة في بلد اعتاد على رؤساء حكومات يُجيدون الكلام أكثر مما يُجيدون الإدارة.
في الخلاصة، يمكن القول: كانت اطلالة موفّقة بكل المعايير. لا لأنها لم تشهد اشتباكًا، بل لأنها قدّمت نموذجًا مختلفًا لرئيس حكومة يعرف متى يتكلم، وكيف يصمت، وأين يضع النقطة على السطر. إطلالة أكّدت أن رئاسة الحكومة اليوم ليست في موقع التجربة، بل في موقع الإمساك بثقل المسؤولية… بهدوء، وثقة، وحضور.
-نعيم القصيفي

