لم تكن المزاعم التي نشرها الموقع الرسمي للمرشد الإيراني علي خامنئي مجرّد “تحليل أكاديمي”. ما قيل عن أنّ “30% من عناصر الجيش اللبناني هم أعضاء في حزب الله” ليس تصريحًا عابرًا، بل اعتداء مباشر على الجيش اللبناني، وعلى هيبته، وعلى سيادة الدولة اللبنانية. هو تدخّل فجّ في شؤون لبنان الداخلية، ومحاولة إيرانية جديدة لزجّ المؤسسة العسكرية في بازار الانقسامات والولاءات، بما يخدم مشروعها وأدواتها.
أولاً، هذا الكلام ليس توصيفًا، بل محاولة خطرة لشيطنة الجيش والتحريض عليه. حين تصدر هذه العبارة من موقع مرتبط بالمرشد الإيراني نفسه، فهي تُقرأ كرسالة موجّهة إلى الخارج، وتحديدًا إلى إسرائيل: “اضربوا الجيش، فهو جزء من حزب الله”.
وهنا تكمن الخطورة، لأن ضرب الجيش هو الهدف الحقيقي: إصابة العمود الفقري للدولة اللبنانية، لاستدعاء مشهد قديم جديد يُقال فيه إن الدولة عاجزة وجيشها ضعيف ثم يتقدّم حزب الله ليقول للبنانيين: “شايفين؟ ما في حماية إلا بسلاحنا”.
بهذا المنطق، يصبح التحريض الإيراني على الجيش خدمة مباشرة للحزب، لتثبيت معادلته القديمة: إضعاف الدولة لتقوية الميليشيا.
ثانيًا، الكلام عن أنّ “30% من الجيش يتحرك بأوامر حزب الله” هو تهويل رخيص ومحاولة للقول إن الحزب قادر على شقّ الجيش أو دفع عناصره إلى العصيان. وهذا وهم. الجيش اللبناني، رغم كل الأزمات، أثبت أنه المؤسسة الصلبة الوحيدة الباقية في لبنان، وأن انتماء العسكري فيها ليس انتماءً عابراً، بل خيار مؤسسة، خيار دولة.
حتى العسكري الشيعي الذي يحاول البعض خطف قراره أو استخدامه في بازار الولاءات، يعرف تمامًا الفرق بين الانتماء لجيش وطني شرعي، وبين الالتحاق بميليشيا تترنّح، تعجز عن حماية عناصرها، ولا قادرة على دفع رواتبهم، ولا حتى على حماية بيئتها من ويلات مغامراتها.
لا عسكري لبناني من أي طائفة يُبدّل مؤسسة عمرها مئة عام بفرقة حزبية تتحمّل مسؤولية أكبر انهيارات البلد.
ثالثًا، هذا الكلام ليس تحليلًا أكاديميًا ولا قراءة سياسية. هو تهديد مبطّن: محاولة إيرانية لإظهار حزب الله كأنه ممسك بمفاصل الجيش، لإرباك الداخل وترهيب الخارج.
باختصار، ما نشره موقع المرشد ليس إلا رسالة خطف جديدة:
خطف صورة الجيش، خطف السيادة، وخطف قرار لبنان.
لكن الجيش يبقى فوق، والدولة مهما ضعفت تبقى أكبر من كل محاولات التشويه.
وإيران تعرف قبل غيرها أنّ اللعب بورقة المؤسسة العسكرية اللبنانية خطّ أحمر، وأن لبنان ليس أرضًا سائبة تُكتب فيها النسب والأرقام على مزاج مشروعها الإقليمي.
-نعيم القصيفي

