في لحظة مصيرية يمرّ بها لبنان، لم يعد هناك متّسع لمزيد من الالتفاف على الحقيقة. الحقيقة واحدة: لا دولة مع سلاح غير شرعي، ولا جمهورية بوجهين، ولا نظام ديمقراطي تحت وصاية قوة مسلّحة خارجة عن المؤسسات.
منذ أكثر من عقدَين، يتحاشى الجميع تسمية الأمور بأسمائها. واليوم، آن أوان المواجهة. السلاح الخارج عن الدولة لم يعد يُبرَّر لا بمقاومة، ولا بشعارات. ما عاد الناس مستعدّين لتحمّل كلفة “خصوصية” أي طرف. لبنان ليس بلدًا لمشروع خاص، ولا حقل تجارب لتوازنات إقليمية.
منذ تأسيسه، فرض حزب الله منطقه بالقوة، وجعل من السلاح أداة للهيمنة السياسية، ومفتاحًا للتحكّم بمصير البلاد. من يعطّل الدولة، لا يمكنه أن يطلب ضمانات منها. من يحتكر قرار الحرب والسلم، لا يفاوض على شروط تسليم ما لا يملك الحق به أصلًا.
الحكومة اللبنانية اليوم أمام مسؤولية تاريخية.
أي بيان لا يتضمّن جدولًا واضحًا، وآلية تنفيذية حاسمة لنزع سلاح حزب الله، هو تواطؤ مقنّع على الدولة نفسها. لا نحتاج إلى عبارات مموّهة، ولا إلى صيغ فضفاضة. نحتاج إلى قرار، وفعل، ومصارحة مع الناس: إما دولة تُقرّر وحدها، أو لا دولة.
المعادلة التي يُراد فرضها تحت عنوان “الحفاظ على كرامة الحزب”، هي انقلاب على كرامة الشعب اللبناني. فكرامة الدولة وسيادتها أهم من أي اعتبار حزبي.
الشعب لم يعد ضحية. الذاكرة لم تُمسح. المسؤوليات واضحة. من قاد لبنان إلى العزلة، من دمّر اقتصاده، من فرّغ مؤسساته، ومن عطّل القضاء، ومن فجّر الشارع كلما اقتربت الحقيقة… هو نفسه الذي يطالب اليوم بالتفاهم على “ظروف تسليم السلاح”. لا. كفى. الحساب قبل الحوار، والمحاسبة قبل التفاهم.
من أراد أن يكون جزءًا من الدولة، عليه أن يخضع لها. لا يمكن الجمع بين منطق الدولة ومنطق الغلبة. لا يمكن بناء بلد على قاعدة أن هناك طرفًا فوق الشبهات، وفوق المحاسبة.
-نعيم القصيفي

