القائمة

صمتٌ عربيّ بصيغة الرضا: حين ينهار المشروع الإيراني دون طلقة واحدة

وسط الضربات المتتالية التي تتلقّاها إيران داخل أراضيها، من منشآت نووية مدمّرة إلى اغتيالات أمنية دقيقة، يلفت النظر غياب أي موقف عربي صريح. لا إدانات، لا اعتراضات، ولا حتى تعاطف معلن. هذا الصمت، في عمقه، ليس حيادًا كما قد يبدو، بل هو في كثير من حالاته ارتياحٌ ضمني لمشهد انهيار مشروع لطالما اعتُبر مصدرًا للفوضى وعدم الاستقرار في العالم العربي.

منذ 2003، تمدّدت إيران في الجغرافيا العربية مستغلّة لحظات الضعف والانهيار. في العراق، أمسكت بمفاصل الدولة تحت عباءة “المقاومة للاحتلال الأميركي”، في سوريا أنقذت نظام الأسد مقابل النفوذ السياسي والعسكري على المتوسط، في لبنان صادرت قرار الدولة تحت ذريعة “مواجهة إسرائيل”، وفي اليمن موّلت الميليشيات لابتزاز الخليج وتهديد ممرات التجارة العالمية. هذا التمدّد لم يكن مشروع قوة ناعمة، بل مشروع هيمنة صلبة، دفع العرب ثمنه أمنًا، واستقرارًا، واقتصادًا.

اليوم، تتراجع إيران بسرعة لافتة. ضربات إسرائيلية دقيقة تدكّ منشآتها النووية، ووكلاؤها يترنّحون على الجبهات، وداخل طهران نفسها تشهد السلطة هزّات داخلية غير مسبوقة. كل هذا يجري وسط سكون عربي محسوب: لا تأييد معلن لإسرائيل، لكن أيضًا لا اعتراض على ما يحصل. والسبب؟ لأن كثيرًا من الأنظمة العربية ترى في هذا الانهيار استعادة لتوازن كان مفقودًا، وفرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي من دون “ابتزاز عقائدي” من طهران.

حتى الدول التي كانت تُحسب يومًا على محور الممانعة، باتت تبحث عن مصلحتها الوطنية أولًا. فبعد عقدين من الحروب بالوكالة والدمار السياسي، لم يجنِ العرب من المشروع الإيراني سوى تفكك الدولة، وتمكين الميليشيات، ومضاعفة الانقسام الطائفي.

الآن، تتغيّر المعادلة: إسرائيل تنفّذ المهمة القذرة، وأميركا تمسك بزناد الردع الكبير، والدول العربية تراقب وتنتظر. لا أحد يريد حربًا شاملة، لكن أيضًا لا أحد يأسف على تراجع إيران. إنها لحظة نادرة في الجغرافيا السياسية: حين ينهار مشروع توسّعي خطير، من دون أن يُطلق عليه أحد رصاصة.

-نعيم القصيفي

– إعلان –
اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *