ليس جديدًا أن يتقدّم الآخرون فيما يراوح لبنان مكانه. لكن ما يُلفت هذه المرة أن البلد لم يعد يتراجع وحسب، بل يبدّد ما تبقى من فرص نهوضه بنفسه. فبينما تتجه العواصم المحيطة نحو تسويات إنتاجية، ولو من باب الضرورة، ينغمس الداخل اللبناني في لعبة معطّلة، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل نظام يتآكل من الداخل تحت أنقاض التعطيل المنهجي.
ليست الأزمة في غياب الحلول، بل في رفضها. فكل طرح يحمل ملامح تغيير يصطدم بجدار عريض من التعطيل المتقن، تُديره جهات تختلف في كل شيء، لكنها تتقاطع حين يستدعي الأمر إبقاء الدولة في حال من الجمود. لا أحد يريد أن يُمنح الآخر لحظة نجاح، ولو كان ثمن ذلك ما تبقى من بنية الدولة.
السلطة التنفيذية، ورغم محاولات حثيثة لتثبيت مسار عملها، تواجه يوميًا محاولة “خنق ناعم” تُمارَس عبر أدوات شتى: تارةً من خلال نزاع مُفخّخ حول ملفات تقنية كالرقابة المالية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتارةً أخرى من خلال تصعيد سياسي لا يُعلَن، بل يُدار على شكل تقارير متبادلة، وحملات موضعية، واصطفافات تُخفي أكثر مما تُظهر.
الاختلاف في الرؤية حول الملفات الإصلاحية ليس خلافًا على التفاصيل، بل على الوجهة. بين من يرى أن صندوق النقد مدخل لا مفر منه، ومن لا يريد أصلًا أن يُفتح هذا الباب، خشية أن يُغيّر قواعد اللعبة المالية والسياسية معًا. ولهذا، يضيع الوقت في تجاذبات ظاهرها تقني، وباطنها حسابات أعمق بكثير.
والحال أن الرأي العام، الموزّع بين الإنهاك واللامبالاة، يُستَخدم هو الآخر كورقة ضغط. يُحرَّك حين تدعو الحاجة، سواء على شكل احتجاج مطلبي مشروع، أو من خلال تنظيم الاعتراض بما يخدم وجهة محددة. وبين الاحتجاج والعجز، تضيع الدولة في متاهة مطلبية يصعب إدارتها في ظل فراغ سياسي وتشظٍ إداري.
المفارقة أن كل هذا يجري في ظل تحولات إقليمية تُعيد رسم أولويات المرحلة، حيث باتت الدول تبحث عن استقرار منتج، بينما يغرق لبنان في دورة استنزاف ذاتي، تستهلك موارده القليلة وتُضعف مناعته تجاه كل متغير.
قد لا يكون الانفجار وشيكًا، لكن الانهيار البطيء لا يقل خطورة. ذلك أن النظام، كما هو اليوم، لا يملك رفاهية الوقت، ولا أدوات المواجهة. والمقلق أن المعنيين يدركون هذا جيدًا، لكنهم يتصرفون وكأنهم يملكون غدًا طويلًا.
في النهاية، أيها المتعنّتون، استفيقوا قبل أن تُسقِطوا ما تبقّى من وطن، فلن يرحمكم التاريخ إن خنقتم أنفاسه بعنادكم وأنانيّتكم، وأبعدتم عنه فرصة نهوضه.
-نعيم القصيفي

