لم تكن هذه الانتخابات البلدية عادية في الأوساط التي اعتادت لعقود على الانضباط والولاء المطلق أي “حزب الله”. فقد كشفت الاستحقاقات المحلية الأخيرة عن تشققات عميقة في الجسم التنظيمي للحزب الذي طالما قدّم نفسه ككتلة متراصة لا تخترق، لكن المؤشرات الميدانية أظهرت عكس ذلك تمامًا، وسط ملامح على تغير المزاج العام في بيئته الأساسية.
في المناطق والمدن التي شكّلت تاريخيًا الحاضنة الأولى له في جبل لبنان، تراجعت نسبة المشاركة الشعبية بشكل لافت للحزب، ما عكس انطباعًا غير مألوف في التفاعل، وفتح باب الشكوك حول مدى احتفاظه بتماسكه الداخلي.
اللافت في هذه الانتخابات أنها أفرزت مواجهات غير معهودة بين أبناء بيئة حزب الله، حيث ترشّحت شخصيات محلية سبق أن خاضت تجارب ضمن صفوفه، لكنها اليوم تسلك طريقًا مختلفًا، مدعومة بتوجهات خارجية لم تكن مألوفة في السابق، وتحديدًا من جهات إقليمية ذات تأثير في الساحة اللبنانية.
وتجلّى هذا المشهد بوضوح في عدد من القرى والبلدات، حيث جرى التنافس بين لوائح مدعومة من أطراف تُحسب على الجهة ذاتها، دون القدرة على فرض لائحة واحدة، حيث عبّر الأهالي عن رفضهم للخيارات المفروضة عليهم، ما أدى إلى حالة اعتراض واسعة، تجلّت في تشكيل تحالفات موازية ومقاطعة واضحة في بعض الحالات الأمر الذي أظهر ارتباكًا تنظيميًا غير مسبوق، خاصة في بلدات شهدت تعدد اللوائح المتقابلة، بعضها ممول من شخصيات نافذة خارج البلاد.
في الكواليس الضيقة لحزب الله، الحديث لم يعُد مقتصرًا على نظريات خصومه، بل تسلّل إلى دوائره الخاصة، حيث يُشار إلى انقسام في الرؤية والتوجّه بين مجموعتين: واحدة تتمسك بالامتداد المعروف تاريخيًا، وأخرى باتت تنفتح على خيارات خارج هذا الإطار، في سابقة تعكس اهتزاز مركز القرار وتضارب التوجهات.
ما يحدث دلالة على تغيّر عميق في علاقة القيادة بقواعدها، مشيرة إلى حالة من الجمود والارتباك غير المعهودَين في إدارة المعركة، ما تسبّب في احتكاكات حادة بين مجموعات يفترض أن تعمل ضمن صف موحّد.
-نعيم القصيفي

