يشهد لبنان تصعيدٌ عسكري إسرائيلي لا مثل له منذ الاجتياح البري عام 1982، اذ انه مختلف من كافة النواحي، سواء في العنف الذي تشكله الضربات أم التطور التكنولوجي الذي بحوذة الإسرائيلي ويجيز له التفنن في الضربات والدقة في العمليات.
عامٌ على إدخال حزب الله لبنان واللبنانيين في حرب دون رغبتهم او ارادتهم، احتدت ضراوتها في الأسابيع الماضية عند اعلان الجيش الإسرائيلي عن القضاء على حوالي 90% من قيادات حماس وأسلحتها داخل قطاع غزة، فبات باستطاعته نقل الجهود العسكرية نحو الجبهة الشمالية مع لبنان.
بدأ الفتك الإسرائيلي في لبنان مع سلسلة تفجيرات أجهزة “البيجر” والـ”icom” مرورًا بالغزو الجوي الذي طال كافة المناطق اللبنانية وصولًا الى اغتيال أمين عام حزب الله حسن نصرالله في الضاحية الجنوبية.
ومنذ اغتيال نصرالله تشهد الضاحية الجنوبية غارات جوية وضربات بحرية يوميًا يزعم الجيش الإسرائيلي انه يستهدف منشآت عسكرية للحزب ومخازن أسلحة له. وبالتوازي مع ضرب الضاحية حشد الجيش الإسرائيلي قواته استعدادًا لغزوٍ بريٍّ في جنوب لبنان.
يترقب الجميع الغزو البري الذي أعلن الإسرائيلي انه لا بد منه لتغيير الواقع الأمني في شمال إسرائيل وارغام الحزب على التراجع الى شمال الليطاني، مما يتيح العودة الامنة للمستوطنين الى مناطقهم. لذلك يشهد جنوب لبنان في الليلتين الماضيتين مناوشات برية تصل في بعض الأحيان الى اشتباكات يتقدم بها الإسرائيلي تارةً ويتراجع تارةً أخرى.
لكن في الامس احتدمت المعارك البرية اذ تصدى حزب الله لقوة حاولت التسلل الى الأراضي اللبنانية أوقع جنودها بين قتيل وجريح مما أجبرها الى التراجع والاستعانة بالمروحيات لإجلاء المصابين. ليرد الجيش الإسرائيلي بضرب مبنى بلدية بنت جبيل موقِعًا 15 قتيلا من عناصر حزب الله كانوا متواجدين فيه بالإضافة الى تدمير معداتهم الحربية التي كانت بحوزتهم.
أحرز الجيش الإسرائيلي تقدمًا في الداخل اللبناني وثقه عبر نشره لقطات لجنوده داخل الاحياء واثناء مداهمتهم المنازل، لكن ليسوا جديرين بالذكر بالإضافة الى ان الحزب كبدهم في المقابل خسائر فادحة، فكيف لو عمقوا التوغل الى أي مدى قد تصل الخسائر؟
الجميع يعلم ان في الالتحام البري قدرات يشهد لها للحزب، فالأرض ارضه، وقد اكتسب خبرة في القتال الى جانب النظام في سوريا، كما ايضًا انه يلعب دور الدفاع اليوم والإسرائيلي المهاجم. قد نشهد على خسائر في الجانب الإسرائيلي وقد نعود ونرى مشهد “الميركافا” المقلوبة على سطحها، لكن ان وصل الإسرائيلي مع هذه الخسائر الى الليطاني فهل يكون هذا انتصارٌ لحزب الله؟ الجميع يعلم مدى التفوق الإسرائيلي على كافة الأصعدة، البرية، البحرية، الجوية، التكنولوجية والاستخباراتي وكل ذلك يشير الى ان الدفة تميل نحوه.
نوايا نتنياهو التي يكشفها ويريد تحقيقها من حربه على لبنان هي شل قدرة حزب الله العسكرية وابعاده عن حدوده الشمالية، لكن جميع الدول لا تكشف عن أهدافها الاستراتيجية على العلن بل تعمل على تحقيقها إما بالمفاوضات السرية او بالقوة في الميدان.
كافة الأنظار تتجه الى الحدود من جهة “العديسة” و”مارون الراس” والمناطق المحيطة لها، لكن هل يباغت جيش نتنياهو لبنان ويغزوه بريًا من الجولان فيصبح معبر المصنع على مرمى حجرٍ منه ويسيطر عليه وتكون نيته توجيه تهديد لدمشق التي تبعد عن المصنع بضع كيلومترات كما تصبح بيروت هدفًا سهلاً له فما من عوائق أمامه ان أراد النزول من المصنع باتجاه العاصمة بيروت وفرض معاهدة سلام أو على الأقل رئيس من خارج محور الممانعة؟
المنطقة في اوج تصعيد منذ الحرب العالمية الثانية فقد نشهد على تغيّرٍ في خريطة الشرق الأوسط، زوال دول وظهور اخرى أو سقوط أنظمة حكم وصعود أنظمة جديدة، وتبدل مصالح دول من محور الى اخر. إنها الحرب وكل شيء وارد.
-نعيم القصيفي

